تحالف الشر لن يصمد طويلاً

0

الهيئة السورية للإعلام – الكاتب والباحث السياسي: عبد الناصر محمد

عبد الناصر محمد

المعروف عن حكومة الملالي في طهران أنها تستثمر في إشعال الحروب حيث رأت في ذلك مصلحة لخدمة مشروعها الامبراطوري، وسياسة «تصدير الثورة» التي أعلنها «الإمام الخميني» منذ وطئت قدماه أرض طهران لتدشين مشروع «الثورة الإسلامية الإيرانية»!.

يمكن اعتبار إيران نجحت حتى اللحظة في إدارتها للحرائق في أرجاء مختلفة من العالم، وذلك من زوايا عدة. فمن جهة أولى استطاعت إيران أن تفتعل الأزمات في الوقت الذي تختفي فيه عن الاتهام، حيث اعتادت المنطقة إلقاء التهم على جهات محددة غلبت على الثقافة السائدة في المنطقة.

ومن جهة أخرى فإن إيران لا زالت حتى اللحظة بمنأى عن الاستهداف الذي عادة ما يصيب دولاً مرتاحة اقتصادياً، ومرضية من شعوبها، وتنعم بالحرية والرخاء، بعكس إيران التي تعاني من ضائقة اقتصادية، وأزمات مجتمعية، وكبت للحريات العامة.

ومن جهة ثالثة فإن إيران كانت دقيقة في إصابة أهدافها، برصدها للمشهد الدولي العام، ثم بتوجيه حرابها إلى أي مكان يصدر عنه موقف مناوئ لسياستها، أو سياسة حلفائها في دمشق وبغداد وبيروت واليمن.

تعتمد إيران على ثنائية تنطوي على مغامرة تهدد الأمن القومي لها على المدى المتوسط أو البعيد، أول جزء فيها يتمثل بالإمساك بالداخل الإيراني من خلال قبضة أمنية صارمة، واعتماد خطاب إعلامي ديني طائفي متشدد، يخدّر الشعب ويجعله يتقبل مغامرات السلطة الحاكمة هناك باعتبارها سلطة إلهية.

والجزء الثاني من الثنائية النكدة يتعلق بدعم إيران لأذرعها الضاربة في أكثر من مكان من العالم، وخاصة في المنطقة الإقليمية، وتذهب نتيجة لذلك أموال طائلة لتلك الأذرع، التي تقبل أن تضحي بكوادرها خدمة لولاية الفقيه.

من حيث تبدو هذه الثنائية عامل قوة لإيران فإنها- في حقيقة الأمر- نذير شؤم على سلطة الأمر الواقع هناك، فالشعب الإيراني لا يستطيع تحمّل أعباء الحروب المفتعلة، والتي لم تجرّ لإيران سوى مزيد من العزلة والانغلاق، ولم تجلب لها غير الاختناقات الاقتصادية متمثلة بالبطالة والغلاء.

وكما يكبر الأفراد فإن الكتل البشرية تكبر وتنضج، وقد بدأت الصحوة الشعبية في إيران تأخذ مديات أكبر، وتتسع دائرة الاعتراض والاحتجاج الشعبي والنخبوي، وقد تصل الحالة إلى حد الانفجار الذي لا تستطيع القبضة الحديدية إخماده.

أما الأذرع الإيرانية فليست بأحسن حال من الداخل الإيراني، فقد انكشف عوارها في أكثر من مكان من العالم، على شكل محاولات للتفجيرات الإرهابية أو شحنات من المواد المخدرة، أو عمليات مافيوية لغسيل الأموال، والاتّجار بالبشر، وبات العالم أكثر تيقظاً لتلك الجماعات وتحسباً لأفعالها.

أما روسيا فتحاول الاستثمار في السياسة وفي الحروب معاً!. روسيا لا تستطيع مغادرة معترك السياسة حتى لا تستنزف مزيداً من النقاط، ولا تستطيع ترك المسرح القتالي طمعاً بتحقيق مكاسب قد تصب في مصلحتها سياسياً، وتمكنها من تثبيت موقعها دولياً.

هذا التعاطي الروسي لا يجعل الروس منسجمين مع المجموعة الدولية، ولا يجعلهم متفقين مع حليفهم الإيراني تماماً، وهنا مربط الفرس، فقد تصادمت الرؤية الروسية مع الرؤية الإيرانية في كثير من المفاصل، وكان انحياز «بشار الأسد» إلى الرؤية الإيرانية سبباً إضافياً في افتراق الموقف الروسي عن الموقف الإيراني.

هذا التباين بين الحليفين انعكس على الميدان عدة مرات حيث اشتكى الإيرانيون من تخاذل القوات الروسية معهم، مما أدى إلى خسارة القوات الإيرانية لأكبر عدد من قتلى ميليشيا «الحرس الثوري»، مما أدى إلى تسجيل بعض الانسحابات لقطعات من القوات الإيرانية أحياناً، وتعويضها بإطلاق صيحات الوعيد والتهديد ضد من تسميهم «الإرهابيين والتكفيريين».

لقد كان الزخم الإيراني الأخير في «معركة حلب» ناتجاً عن تفاهمات «إيرانية-روسية»، فظن الإيرانيون أن الطريق ممهدة أمامهم لاجتياح حلب، لكن الطريق إلى حلب لم تكن مفروشة بالرياحين بالنسبة للميليشيا التي تدعمها إيران ولا بالنسبة للحرس الثوري الإيراني كذلك.

وبدا أن الإيرانيين كانوا يفتقدون إلى التناغم والتفاهم مع الروس، الذين عاقبوا الإيرانيين بتركهم يقعون في كمائن الثوار والمجموعات المقاتلة، الأمر الذي أغضب الإيرانيين الذين يكظمون الجزء الأكبر من غيظهم تجاه الروس خشية حدوث الأكبر، وهو انفراط عقد التحالف بينهما.

لولا الضمانات الروسية بتغطية تقدم القوات الإيرانية لما تجرأت إيران على الزج بالنخبة المقاتلة من حرسها الثوري. لأن الإيرانيين عادة ما يستخدمون الآخرين ليقاتلوا نيابة عنهم، وفي الحالة السورية يقع العبء الأكبر على قوات «حزب الله» المنخرطة في محاربة الثوار ومعاقبة الشعب السوري على ثورته.

وبعد موقعة «خان طومان» زادت إيران من ضغوطها على ميليشيا حزب الله للانخراط أكثر في معارك حلب، لكن القيادة الميدانية للحزب في سورية كانت تستثقل الضغوطات الإيرانية، كما تشمئز من تراخي قوات الأسد في الميدان، حتى وصل الأمر إلى اعتقاد بعض قادة الحزب اللبناني أن القيادة الإيرانية تستخدمهم فقط للتضحية بهم كوقود للمعركة كي يفنوا هم ويبقى الأسد، خدمة لـ«ولاية الفقيه»، الولاية التي يعتبرها أمين الحزب «حسن نصر الله» قدس الأقداس.

لذلك لم يكن الأخير متفاعلاً مع نداءات بعض قادة الحزب، ولا مكترثاً بتململ الحاضنة الشعبية للحرب الجائرة التي يشنها الحزب ضد الشعب السوري، مما دعا بعض القادة الميدانيين إلى التصرف منفردين وسحب جزء من قواتهم المرابطة على الحدود «السورية- اللبنانية»، الأمر الذي يتكتم عليه الحزب، وفضحته تسريبات عناصره مؤخراً.

لا غرابة في أن تجمع المصالح المشتركة بين الفرقاء، لكن أن يجتمع «تحالف الشر الإيراني الروسي» على قتل شعب طالب بحريته وانعتاقه من ربقة الجلاد الأثيم فهذا من عجائب العصر الحديث.

تعليقات

تعليقات

Comments are closed.