عن بلاد المسلخ البشري أتحدث اليوم

0

الهيئة السورية للإعلام_دينا بطحيش

ربما أكثر ما يؤلم القلب أن من قُتل في تلك السجون مات بصمت دون أن يُعلم أهله بدقيقة وساعة موته، وربما لم يحظى الكثير منهم برفاهية الدعاء لظنّ أهاليهم أنهم ما زالوا على قيد الحياة، لربما لو ماتوا جميعهم بضجيج أسمعَ العالم الأصم لكان وقع تلك الجريمة على قلوب من فقدوا أبناءهم أخف ألماً على ما هو عليه الآن.

لم يكن هذا التسريب الأول من نوعه لفظائع ما يحصل في السجون السورية وإنما سبقه تسريب “القيصر” لصورِ أكثر من 11 ألف شهيد بفارق 3 سنوات عن الآن فقط، حين قام أحد مصوري الشرطة العسكرية التابعة لنظام الأسد بالإنشقاق عن النظام وتسريب آلاف الصور الفردية لمعتقلين سابقين في سجون المخابرات السورية تم إعدامهم بطرق مختلفة، حيث نُشرت تلك الصور بعد تقرير أنُجز مع مجموعة من المحققين الدوليين و أفاد التقرير آنذاك بأنّ الصور التي سُربت كافية لإثبات ارتكاب النظام السوري جرائم ضد الإنسانية .!

فعلى الرغم من أن منظمة العفو الدولية دائماً ما تكون حذرة في اختيار مسمياتها في نشر التحقيقات إلا أن هذه المرة قد نشرت الوثيقة تحت مسمى “المسلخ البشري” لفظاعة ما جاء به من شهادات ناجين سابقين أدلوا بشهاداتهم حول آلية القتل المتبعة في ذلك السجن، فلك أن تتخيل فظاعة الطبيعة الفيزيولوجية للذئاب البشرية القائمة على تلك الإعدامات المروّعة والتي جعلت أمنستي تصف التقرير باستعارات وأوصاف لم تستخدمها من قبل.

كمٌّ هائلٌ من الإجرام بكل تفصيل تم ذكره في تلك الشهادات جعلنا نعيش الوجع مرتين، مرة عندما جسّد لنا آلية الموت وأخرى عندما خيّل لنا أسلوب الموت، والأكثر وجعاً منهما عندما يُترك لعقلك أن تُرجح بأي من تلك الطرق قُتل أخاك …

أجرت المنظمة مقابلات مع 31 ناجٍ سابق من الموت الأحمر ومع عدة موظفين وقضاة وأطباء سابقين في ذلك السجن وبني التقرير على شهاداتهم، فلو أطلقت العنان لعقلك المُنهك بالموت وخيّل لك أنهم أجروا تلك المقابلات مع نصف المعتقلين المحتجزين هناك، فماذا ستحتوي تلك الوثيقة حينئذ ؟

وهناك على الضفة الأخرى يعيش الأهالي وفي داخلهم صراع بين الموت الرحيم وشوق اللقاء، فتلك الأم قد عاشت على أملِ لقاء ولدها سنوات طوال دون أن تُفكر بأسلوب أو طريقة مقتل ابنها، أو ربّما ستكون أقوى من إجرامهم وتدعوا الله بقلب مفطور أن يكون أراحه بموتٍ أقل إيلاماً او أكثر سلاماً عن بقية رفاقه و لعل هذا ما قد يصبّر قلبها اليوم !

كل لحظات الرعب والخوف التي يُمكن أن تعيشها في حياتك لا تعادل لحظة واحدة في سجن صيدنايا، تعجز كل مفردات القباحة والذُعر والخوف في أي لغة أو أي قاموس عن وصف لحظة واحدة هناك، ففي السجن الأحمر تُدرك المعنى الحرفي لعبارة (تتمنى الموت ولا تناله) كلماتٌ قليلة كتبها “دياب سرية” العائد من الموت واصفاً بها ما عاشه على أيدي سجاني صيدنايا, ليتركك بعدها غارقاً بمخيلتك السوداء عن ما حدث ويحدث هناك, يا إلهي ما هي الخطيئة الكبرى التي ارتكبوها حتى نالوا هذا الجزاء!

وثق تقرير المنظمة قتل ما لا يقل عن 17723 مدني في السجون السورية منذ بداية الثورة السورية حتى عام 2015، أي بمعدل 300 شخص يُقتل يومياً في تلك السجون, على اعتبار أن ما سُرب هو غيض من فيض وأن هذه الأعداد لا توثق إلا القليل من ما حدث ويحدث حتى اليوم!

والسؤال الأخير هنا، هل سيحال هذا الملف إلى محكمة العدل الدولية ويؤخذ به بعين الإعتبار على غرار باقي الملفات التحقيقية الموثقة التي سُربت مسبقاً؟ وهل سيحاسب بشار الأسد في محاكم لاهاي على اعتباره مجرم حرب قتل الالاف من المدنيين في سجونه؟ سؤال سيتردد صداه طويلاً دون مجيب …

تعليقات

تعليقات

Comments are closed.