نقطة ساخنة.. عبد الله الدردري ..من فيك أدينك

0

الهيئة السورية للإعلام – منار يوسف عبود

ربما لم يخف بشار الأسد من مسؤول حكومي، كما من عبد الله الدردري، ولم يتوجس ويخشى على هيبته وشعبيته كرئيس دولة، وخاصة في الدول الأوروبية، كما من الدردري، ومن كان قريباً من دوائر القرار بسورية، سواء وقت كان الدردري رئيس هيئة تخطيط الدولة أو لاحقاً برئاسة مجلس الوزراء “نائب اقتصادي” يعي هذا الكلام، أما من عايش المعوقات التي وضعها الأسد الابن بوجه تطلعات الدردري، أو ما حمّله تبعاته سواء من تحرير الأسعار والأسواق والتخلي عن الدعم، فيعلم أي عداء كان بين الاثنين وأي دبلوماسية وقهر عاشه الدردري حتى جاءت الثورة والتي تردد بالانضمام إلى صفوفها، ربما لأنه على علم بما يخفيه الأوروبيون، أكثر من كونه راهن على الحصان الخاسر.

والدردري الذي وجد في “الإسكوا” ملاذاً ليخرج من سورية ويحافظ على “رماديته” التي تجنح نحو الأبيض أحياناً ومن ثم نحو الأسود، بحسب تذبذبات أداء الثوار وتبني العالم الخارجي لمطالب السوريين، كشفته نفعيته في كثير من الأحيان، فزار دمشق مرتين على نحو غير معلن وقابل حكومة ونظام الأسد وطرح مشروعاته الإنقاذية، فضلاً عن الأدوار التي لعبها، ولم يزل، برشى إعادة الإعمار، التي قدم لها عن سورية مشروع وأرقام خسائر أثارت لعاب الدول والشركات، وهي-إعادة الإعمار- ما أهله للدور الأممي الجديد بالبنك الدولي، ليساهم بجرائم إعادة الإعمار بالشرق، وإن من بوابة الاقتصاد وتوزيع الكعكة على حسب الهيمنة.

والرجل الذي يحسب لخط الرجعة وربما لفترة ما بعد الأسد، رمى قبل مغادرته إلى نيويورك، تقريراً يضمن حسن السيرة والسلوك ضمن ما يسمى “الأجندة الوطنية لمستقبل سورية”، بل ويجعل القارئ يترحّم على أيام الدردري.

ومما جاء بتقرير “إنصاف الدردري” أن سورية خلال فترة قيادته لدفة اقتصادها، حققت “إنجازات نوعية على الرغم من بروز معوقات هائلة وسجلت معدلات نمو مرتفعة تجاوزت أحياناً ضعف معدل النمو السكاني، كما سجلت في السياسة النقدية، معدلات منخفضة نسبياً للتضخم الذي لم يتجاوز 5 % سنوياً، وترافقت تلك الانجازات مع استقرار ملحوظ في سعر صرف الليرة مقابل اليورو والدولار وبقية العملات، إلى جانب استقرار إجمالي الاحتياطي من القطع الأجنبي الذي وصل إلى 29 شهراً من تغطية المستوردات”.

وسوّق التقرير سياسة الدردري على أنه كان المخلص للاقتصاد السوري، إذ تقلصت هيمنة القطاع العام ضمن سياق التوجه نحو تأسيس قاعدة إنتاج أكثر تشعباً يحركها القطاع الخاص، وهو ما استتبع العديد من الإصلاحات لتطوير بيئة الأعمال وتحفيز الاستثمار الخاص الذي ارتفع واكتسب قوة دفع لا يستهان بها، وجاءت كل تلك الأفعال “الخارقة” على الرغم من عدد من الظروف غير المواتية التي استجدت على الساحة الداخلية والإقليمية، ومن بين أبرز تلك الظروف غير المواتية أزمة لبنان عام 2005 وحرب تموز عام 2006، وما أدت إليه من لجوء ما يقرب من مليون لبناني إلى سورية، ومنها جفاف عام 2007 وعام 2008
ولكن، فات التقرير ومدبجيه أن يأتوا على أهم مقياس اقتصادي يمكن الركون إليه للاستدلال على السياسة الاقتصادية، وهو قلما يخيب أو تخطئ مؤشراته ونسبه، ألا وهو نسبة الفقر .

لو سألنا المسؤول الأممي الجديد عن نسبة الفقر بسورية خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، وما كانت عليه قبل وصول الدردري كمهندس رئيس لصياغة ملامح السياسة الاقتصادية، فهل يمكنه أن ينكر زيادة نسبة الفقر في سورية إلى نحو 24% خلال عام 2007 رغم محاولات الالتفاف على منهجية وطريقة احتساب النسبة، قبل إصدارها عن المكتب المركزي للإحصاء.

وهل يتذكر عبد الله الدردري عدد المنشآت، الصغيرة فقط، التي أغلقها أصحابها وانضموا إلى قوافل العاطلين، بعد قيادته للانفتاح على الخارج لاعتبارات سياسية، ومنه تركيا وقتذاك، أم يريد أن نذكره أن أكثر من 9 آلاف ورشة ألبسة ونحو 3 آلاف ورشة أحذية وجلديات ونحو ألف ورشة ومصنع غذائيات، أغلقت بسبب عدم القدرة على منافسة الخارج وقت ألغى الدردري كل طرائق حماية أو دعم الإنتاج السوري وترك القطاع الصناعي السوري أمام منافسة عرجاء مع سلع وإنتاج مدعوم من دوله.

وهل يذكر النائب الاقتصادي السابق مساهمة الصناعة التحويلية، على سبيل المثال ليس إلا، بالناتج المحلي الإجمالي وكيف بعهده الميمون تراجع الإنتاج الزراعي ومساهمته بالناتج.

وأما الأهم الذي يجب ألا يغيب عن خلد المسؤول الأممي أنه ساهم بتلاشي الطبقة الوسطى في سورية، فكرس بناء طبقة الأغنياء عبر الاستثمار والوكالات والحصرية، ووسع من الطبقة الفقيرة إثر سحب الدعم ورفع الأسعار وتقليص فرص العمل بالقطاع الحكومي، وهو ربما الأعلم بدور الطبقة الوسطى وعبر التاريخ، ليس بالاقتصادي والمجتمعي فحسب، بل والسياسي أيضاً، إذ من المعروف أنها المفرزة للمثقفين والفلاسفة والساسة…ولمن يرشد الشارع دون أن يسير خلفه.

خلاصة القول: ربما من غير الإنصاف القول أن سياسة عبد الله الدردري هي من أوصل سورية والسوريين للانفجار، رغم دوره بذلك وإن بنسبة غير قليلة، كما من غير العدل رمي الأعباء والآثار السلبية التي لحقت بالمجتمع السوري فقط على عبد الله الدردري، ليقيننا أنه منفذ وربما أكبر ذنوبه أنه قاد حلم أحمق لا يتناسب مع بنية الاقتصاد السوري ولا أنماط السوريين الاستهلاكية والمعاشية.

أما أن يعتبر الدردري نفسه مخلصاً ومظلوماً، ومن خلال التقرير الذي أصدره عن “الإسكوا” عشية مغادرته للمنصب الجديد، فذلك فيه من “الكذب” على شهود مازالوا على قيد الحياة ..

وما يتعلق بدور الدردري بمنصبه الجديد ولماذا تم تخصيصه مسؤولاً بالبنك الدولي عن إعادة الإعمار بالشرق الأوسط، بعد أن بدأ هذه المهمة وقت كان نائب الأمين العام التنفيذي للإسكوا، فذلك موضوع آخر ستؤكد فعائل ودراسات الدردري كل فرضياته، وسنعود إليه في وقت لاحق.

تعليقات

تعليقات

Comments are closed.